محمد بن جرير الطبري

203

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

النصارى : هو المسيح وأمه ، فذلك قول الله تعالى : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ نحوه . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ يقول تعالى ذكره : أفلا يرجع هذان الفريقان الكافران ، القائل أحدهما : إن الله هو المسيح ابن مريم ؛ والآخر القائل : إن الله ثالث ثلاثة ، عما قالا من ذلك ، ويتوبان مما قالا وقطعا به من كفرهما ، ويسألان ربهما المغفرة مما قالا . والله غفور لذنوب التائبين من خلقه ، المنيبين إلى طاعته بعد معصيتهم ، رحيم بهم في قبوله توبتهم ومراجعتهم إلى ما يحب مما يكره ، فيصفح بذلك من فعلهم عما سلف من إجرامهم قبل ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وهذا من الله تعالى ذكره احتجاجا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على فرق النصارى في قولهم في المسيح . يقول مكذبا لليعقوبية في قيلهم : هو الله ، والآخرين في قيلهم : هو ابن الله : ليس القول كما قال هؤلاء الكفرة في المسيح ، ولكنه ابن مريم ولدته ولادة الأمهات أبناءهن ، وذلك من صفة البشر لا من صفة خالق البشر ، وإنما هو لله رسول كسائر رسله الذين كانوا قبله فمضوا وخلوا ، أجرى على يده ما شاء أن يجريه عليها من الآيات والعبر بحجة له على صدقه وعلى أنه لله رسول إلى من أرسله إليه من خلقه ، كما أجرى على أيدي من قبله من الرسل من الآيات والعبر حجة لهم على حقيقة صدقهم في أنهم لله رسل . وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ يقول تعالى ذكره : وأم المسيح صديقة ، والصديقة : الفعيلة من الصدق ، وكذلك قولهم فلان صديق : فعيل من الصدق ، ومنه قوله تعالى ذكره : وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وقد قيل : إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه إنما قيل له الصديق لصدقه ، وقد قيل : إنما سمي صديقا لتصديقه النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره في ليلة واحدة إلى بيت المقدس من مكة وعوده إليها . وقوله : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ خبر من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمه أنهما كانا أهل حاجة إلى ما يغذوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم . فإن من كان كذلك ، فغير كائن إلها ؛ لأن المحتاج إلى الغذاء قوامه بغيره ، وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه دليل واضح على عجزه ، والعاجز لا يكون إلا مربوبا لا ربا . القول في تأويل قوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد : انظر يا محمد كيف نبين لهؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى الآيات ، وهي الأدلة والأعلام والحجج على بطول ما يقولون في أنبياء الله ، وفي فريتهم على الله ، وادعائهم له ولدا ، وشهادتهم لبعض خلقه بأنه لهم رب وإله ، ثم لا يرتدعون عن كذبهم وباطل قيلهم ، ولا ينزجرون عن فريتهم على ربهم وعظيم جهلهم ، مع ورود الحجج القاطعة عذرهم عليهم . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ثم انظر يا محمد أنى يؤفكون ؟ يقول : ثم انظر مع تبيننا لهم آياتنا على بطول قولهم : أي وجه يصرفون عن بياننا الذي بينته لهم ، وكيف عن الهدى الذي نهديهم إليه من الحق يضلون ؟ والعرب تقول لكل مصروف عن شيء : هو مأفوك عنه ، يقال : قد أفكت فلانا عن كذا : أي صرفته عنه ، فأنا آفكه أفكا ، وهو مأفوك ، وقد أفكت الأرض : إذا صرف عنها المطر . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ وهذا أيضا احتجاج من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم على النصارى القائلين في المسيح ما وصف من قيلهم فيه قبل . يقول تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء الكفرة من النصارى الزاعمين أن المسيح ربهم والقائلين إن الله ثالث ثلاثة : ا تعبدون سوى الله